ملا محمد مهدي النراقي

507

انيس المجتهدين في علم الأصول

النقض ؛ لأنّ كلّ دليل عامّ يجوز تخصيصه ، سواء كان المخصّص هو العلّة ، أو حكما آخر . وهذا لا يبطل حجّيّته فيما سواه ، وأمثلته كثيرة ، كمسألة العرايا « 1 » ، وعدم نقض الحجامة للوضوء ؛ مع أنّ كلّ خارج نجس علّة للنقض ، وضرب الدية على العاقلة ؛ مع أنّ مباشرة الجناية علّة للغرامة على المباشر ، وعدم مباشرتها علّة لعدمها ، وإيجاب صاع من التمر في لبن المصرّاة « 2 » ؛ مع أنّ تماثل الأجزاء علّة لإيجاب المثل ، وعدم إخراب بعض من شاقّ اللّه بيته ؛ مع أنّه تعالى جعل المشاقّة علّة لإخراب البيت في قوله : يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . « 3 » ، وقس عليها أمثالها . ويتفرّع على ما ذكر « 4 » عدم بطلان علّيّة الجميع فيما سوى مادّة النقض ، ولولاه لبطل العامّ المخصوص مطلقا ؛ لعدم تعقّل المفرق « 5 » بين الحكم المخصّص والعلّة المخصّصة ، وبطلت العلل القاطعة ، كعلّة القصاص وهو القتل العدوان ، وعلّة الجلد وهو الزنى ، وعلّة القطع وهو السرقة ، وعلّة حرمة الأكل وهو الميتة ؛ للتخلّف في الوالد ، والمحصن ، ومال الابن والغريم ، والمضطرّ . ولزم إبطال أحد الدليلين : دليل الاعتبار ، ودليل الإهدار . والجمع بينهما أصوب . ثمّ إنّا نعلم إجمالا أنّ التخلّف في العامّ مطلقا لمانع ، أو انتفاء شرطه في الواقع إلّا أنّا لا نعلمه بعينه . وأمّا الثاني ، فلأنّ التخلّف في المستنبطة - على فرض صحّتها - إذا لم يكن لمانع أو انتفاء شرط ، فهو لعدم المقتضي ؛ لعدم تعقّل التخصيص فيها ، فهي ليست مقتضية ، فلا تكون علّة . بخلاف ما لو كان بهما « 6 » ؛ فإنّه لا يبطل علّيّتها ؛ لأنّها مقتضية حينئذ إلّا أنّ عدم تأثيرها

--> ( 1 ) . العريّة - والجمع العرايا - : النخلة التي يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرها . انظر لسان العرب 15 : 49 - 50 ، « ع . ر . ا » . ( 2 ) . المصرّاة من الشاء أو النوق : المحفّلة ، أي التي ترك حلبها أيّاما ليجتمع اللبن في ضرعها . انظر لسان العرب 14 : 458 ، « ص ر ى » . ( 3 ) . الحشر ( 59 ) : 2 و 4 . ( 4 ) . وهو عدم كون العلّة المنصوصة قاطعة . ( 5 ) . أي وجه واضح . وفي « ب » : « الفرق » . ( 6 ) . أي لو كان التخلّف بسبب مانع أو انتفاء شرط .